|
|
|
مقالات |
|
|
| |

بريشته
الرهيفة مثل شفرة، كان
ناجي يعضّ حزن قلوبنا. أحياناً، بلثّة طفل رضيع لم تنبت بعد
أسنانه اللبنية،
وأحياناً، بأسنان تمساح. المسدس مكتوم الصوت في رسومه يصرخ كما
دويّ
المدافع.
الغضب في رسومه ليس أخرس، إلاّ كما يخرس الحزن المقيم برهة
مفتشاً عن
صرخة الغضب الكظيم. حنظلة الحافي أبداً، يركض مثل نهر في
فيضانه إذا كانت علامة
الطريق تشير إلى (بيت المقدس).. فإن كانت تشير إلى (البيت
الأبيض)، فإنّ الدروب
مسدودة بشوك الصبّار، وأمامه حذاء مليء بالمسامير.
لذا، فالأولاد الذي وُلِدوا
بعدما غابت ريشة صاحب حنظلة، كان عليهم، خلال 53 دقيقة، أن
يسكبوا الحزن المقيم،
والغضب الكظيم في لوحات راقصة تضاهي، في الأقل، رقصة حنظلة في
تلك الرسمة: (طاق ..
طيق.. طوقنا) التي رسمها في ذروة حصار مخيم تل الزعتر.
(رسالة
إلى..) هو اسم
العرض، اللوحات الراقصة التي قدمتها، على خشبة القصبة عشية 22
نيسان، فرقة الفنون
الشعبية الفلسطينية، أو قدم الشبان والشابات اليافعون جداً،
محاولتهم لتسييل الحزن
إلى طاقة فنية. فهل كانت أجسادهم وأيديهم وأقدامهم في رهافة
ورشاقة ريشة صاحب
حنظلة؟
عضوا قلوبنا؟ نعم.. ولكن ليس بلثّة طفل رضيع لم تنبت أسنان
اللبن في فمه،
بل جعلوا حنظلة يصرخ مثل زئير الأسد، ويعض مثل التمساح.
الخيمة. البندقية. قبر
الشهيد الحي.. والميت.. والمجهول (يحمل رقماً). الغضب النبيل
حتى الانسحاب من
التسوية الذليلة - الجائرة إلى قبر يحمل عبارة (أنا موجود) أو
قبر يحمل الرقم
العشوائي 7594. تلك هي عناصر أساسية في لوحة ناجي العلي، وكذا
في اللوحات الراقصة
التي أدّاها، برشاقة تقل عن رشاقة ريشة ناجي، شبّان غاضبون،
ولكن مع رشاقة لا تضاهي
ما في شبابهم من حيوية، وما في أجساد راقصي الفرق الأجنبية من
لياقة عالية.
مشكلة العرض الفلسطيني الوحيد في الدورة الثالثة لمهرجان الرقص
المعاصر، أنه
كان محملاً بالرموز حتى أنه ينقلها فوتوغرافياً من خطوط
الريشة، ومن الخط السياسي
لصاحب الريشة.
في التوراة، مثلاً أو بالذات، هذه العبارة: لنحول السيوف
محاريثَ،
وأما في لوحات تلامذة ناجي وحنظلته فإن البندقية، الكلاشن
بالذات، يترنّح بدرامية
حادّة حتى الافتعال من بندقية منكّسة.. إلى مرفوعة.. فإلى
البندقية -
المكنسة.
هذه قسوة بالطبع، كما تتسم خطوط ناجي بالقسوة. لذلك عندما ينهض
الشهيد
من قبر تحمل شاهدته (أنا موجود)، يحاول النهوض على ساق واحدة
عبثاً، إنه يبحث عن
بندقية غير منكسة، وبندقية ليست مكنسة.. فإذا ألقوا إليه
بعكازتين.. دفعهما بعيداً،
واختار العودة إلى القبر؛ ومثله يفعل الشهيد الذي ينهض من
القبر المرقوم 7594.
حركة الحياة - الإحياء، والعزوف - الانسحاب والعودة إلى القبر
هي الأنجح
فنياً في اللوحات الراقصة التي تستلهم رسومات ناجي، وأيضاً
الولادة من خيمة
مضاءة.
الحقيقة يجب أن تقال للشباب، وهي أن في لوحات ناجي صمتاً أبلغ
مما في
لوحاتهم الراقصة من صراخ، وفيها فنٌّ لاذع يفوق ما في قدرة
أجسادهم الفنية، ولعبة
الضوء والظل والموسيقى والفيديو من تجسيد الفكرة السياسية.
كانت الفرقة ذاتها قد
قدمت لوحات راقصة على المسرح نفسه لا تخلو من شعور القسوة
الجارحة، مثل لقطة الرقص
مع الهوية الفلسطينية الخضراء، برفعها من القلب الى الرأس.. ثم
طرقها بالنعال
مراراً وتكراراً، وبإسراف استفزازي، وتكرر هذا الإسراف
الاستفزازي في مشهد البندقية
-
المكنسة.
هاكم هي مدرسة الجبهة الشعبية في الشعار وفي الفن!
واضح أن الفرقة
هادفة سياسياً. واضح أن المسرح السياسي النقدي حاجة المرحلة
بالتأكيد، غير أن
الالتزام الشديد لا تشفع له الفجاجة في امتهان الرموز.
لذلك، وعلى شعبية ناجي
فناناً سياسياً ملتزماً، فإنّ شعبية تلقي الجمهور للعرض جاءت
فاترة، خلافاً لتلقّيه
عروض الفرق الأجنبية الراقصة التي قدمت الالتزام في قالب الفن
الرفيع، ولم تحاول
ترويض الفن الرفيع في قالب الالتزام.
ü ü ü
خضة غزية أخرى درامية رافقت
استهلال الدورة الثالثة للمهرجان. نرجو أن يغادرنا نيسان بسلام
نسبي، لأن شوارع رام
الله على موعد مع عرض راقص حي في اليوم العالمي للرقص، سيبدأ
من دوار المنارة الى
سرية رام الله الأولى.. في 92 نيسان الذي هو أقسى الشهور!!
حسن
البطل
h_albatal@yahoo.com |
|
|
الرئيسية
للأعلــــى |
|
|
|
|
|