|

الصفة
الأخرى التي ميزت فن القصة القصيرة والقصيرة جداً، كونها ساحة
سرد مكثف ينبت على أرضها المبدع القادر على إضافة الجديد في
خلق رؤيا تحث القارئ على أن يتلمس جلالها وجوهرها وخفاياها،
والكاتب المبدع.. هو الذي يناجي ويكشف عن ومن رؤاه جمالية
النص، الذي يجب أن يبقى عالقاً في ذهن القارئ وقتا ليس
بالقصير، أعني أن يكون النص القصصي ذات تأثير بالغ على القارئ
كي يحتفظ العقل به. كونه أي النص ذاع جمالية قيمته الفنية
والتقنية، وهنا يكون الكاتب قد أثرى الأدب العربي، وفي ذات
الوقت صنع لنفسه قيمة مميزة، لأنه على الكاتب أن يعوم البحر
إلى الجهة الأخرى للبحث عن نص يرضي المتلقي. بدءا من حداثة
العمل الفني في مصنعه وانعكاسه على حالات إبداعية متميزة
متأثرة بانفعاليه العناصر البصرية والايحائيه من خلال الملامح
الدرامية اليومية، حيث أن الكاتب الذي يمتلك فن أصيل في فهم
اللغة وخصائصها، يستمد تجربته من تغيرات الواقع المتلاحقة
والمتداخلة بإضفاء لمسته الإبداعية على كل متغير جديد، ويتضح
ذلك بآثاره الحسية التي تنعكس على الحكاية، لأنها تستدل على
إثارة المعنى مادياً أو معنوياً، من خلال تجربة الكاتب
الثقافية والإدراكية الخاصة.
حيث أن من مزايا القصة الحديثة أنها أولاً:
تنهل الرهص الفني إيقاعياً من ينبوع
القصيدة، كما هو الحال عند الشاعر سعدي يوسف، وأيضا عند الشاعر
عبد الكريم كاصد، والشاعر والقاص كريم عبد، والشاعر جعفر كمال.
وباعتقادي أن القراءة المنصفة للجنس الأدبي، تنتهي إلى تقييم
الملامح الملموسة: المادية والاجتماعية، التي تؤثر ايجابياً
على عقلية المتلقي، من طبيعة التشكيل الذي يعكس كثافة الوعي
الفكري، وتنشيط اللغة الرشيقة في حركة الصورة. ومن ناحية أخرى
فالمكونات التي تتشكل في الأدوات الفنية والطبيعية والمناخية
النفسية في المكان والزمان، تتضمن علاقة منطقية مع بعضها
البعض، لتشكل عوامل مهمة يجب على الكاتب أن يتعامل معها تعاملا
إدراكيا معرفيا موسعا، ومن خلال أهمية هذا المنطق وتأثيره على
الكاتب، يجب أن يخلق عملية التلاقح الفني بين الراوي وبين
النص، تستهدف وضع الحكاية بوحدة المضمون، في نصابه المستقل بكل
عوامله، اعتباراً من لغة الصوت وتطابقه مع المعنى، حتى أبعاده
الفنية المتماسكة. ونستدل بهذا في قول د. عبد الغفار حامد هلال
" لقد اكتشف بعض العلماء في طائفة من الألفاظ صله بين ألفاظها
ومعانيها، فبينوا أن العربي كان يربط بين الصوت والمعنى،
فيجعلهما متشابهين فيدل على المعنى الضعيف بأصوات ضعيفة، وعلى
المعنى القوي بأصوات قوية، ومن ذلك كلمتا "النضح" و "النضخ"
وكلاهما لسيلان الماء ونحوه، إلا أن الأول سيلان ضعيف فناسبته
الحاء الرقيقة، والثاني سيلان قوي فناسبته الخاء الغليظة.1"
من الواجب الحتمي على الكاتب أن لا يكون
البديل المفترض، عن رؤية البطل أي بطل النص، إنما يجب أن يضع
لمساته الخفية للمؤشر الحسي في الإحياء التعبيري في أسلوب
البطل، وبهذا يرفد المحتوى الدلالي بمقومات نجاح النص وتميزه،
وفي ذات الوقت يبتعد عن الطفح الوهمي، عبر الإسالة الكلامية
الغير مفيدة سواء كان في السرد أو في الحوار.
ثانياً: ومن بحر الرواية، تقتطف أي القصة
البناء والخطابة، وأفق التخيل المديد، لأن هذا الشكل الفني، هو
النموذج الأمثل للتكثيف السردي، في بناء خلايا الحدث لما يشكل
انسجاما معتمداً على تداعي الموضوعات المطلوبة، عبر اتساع
الحكمة والبصيرة في بسط القضايا التنويرية والمؤثرة في اليومي
البشري، ضمن معتقدات اجتماعية تنفذ بسلطتها إلى الأثر الشعبي
في تقييم النص من خلال توظيف المحدودية الزمنية بكل معتقداتها
المؤثرة على نفسية الكاتب ذاته، والذي يتلبس شخصية الراوي أي
البطل، عبر رؤى تنفذ إلى أعماق أهدافها الفكرية التي تؤلف
العلاج للخلاص من العقد الاجتماعية، وذلك في القدرة على
الالتقاط السريع والنافع للمعالجة والاعتقاد بأن الكتابة تصنع
العدالة الدالة على قانون الكاتب، "كما ورد في قصة الأديب عبد
الباقي شنان في نص "بالمقلوب"، والتي سوف نأتي على تناولها
لاحقاُ" من خلال تلقائية سليمة في التشخيص والتحليل والتناصب
الأدائي، على بسط تداعي المعاني في ذاكرة الشخصيات التي تشكل
النص، وهنا تتداعى الحركة الخفية من حيث تفاعل التعدد الصوتي
باليومي التقليدي.
لقد توسع كتاب القصة القصيرة الالتزام
بالموضوعية لتشخيص الحدث وذلك بالتفاعل الحي العميق بين مختلف
الخصائص الإنسانية للبطل بين حاضره وماضيه، يكون الراوي فيها
يتشكل فنياً من واقعه من خلال بناء الاختلاف والتمازج من واقع
سير طبيعة الحدث..، فالأحداث هنا لا قيمة لها إذا بسطتها كما
هي، دون أن تكشف عن الوعي الكامن في تفجير مكوناتها بحيوية
وحكمة، لتمكين الخطابة في أن تعتلي الحكاية في التجاذب
والمفاجأة والإثارة، لتثري دلالاتها التي تعبر عن الامتداد
الوجداني والمنحني النفسي في تجاوز الواقع تجاوزاً إدراكيا لا
رومانسياً، من خلال مختلف عناصر التجربة الفنية، وكما نرى هنا
في قصة الأديب محمود عبد الوهاب في قصته الموسومة ب: "طقس
العاشق1". يقول القاص في مقدمته للكتاب عن قصته هذه: "هي
ارتحال في رؤى سردية متحولة وجدت نفسي في نهايتها بعيداً عن
الدهشة الأولى والمشهد الأول، وقريبا من استبصار مغاير ارتقت
بي تقنيته إلى مرصدي الأخير بين قصص هذه المجموعة."
الوصفية الذاتية في النص كانت سائدة عند
الكثير من الأدباء في العالم، وهي ليس عيبا على النص، إنما
تشكل تشابها مقيتا إذا كانت متجسدة في تفكير الكاتب، لأنه يطبع
تصرفه وعاداته وأسلوبه اليومي في كل نص، ومن هنا صار لازما على
الأديب أن يتحرر من الأنوية التي في المضمون، أو الصوت الكامن
في باطنية المعنى، وليس في الكلام، وفعلا شكلت هذه القصة
انجازا مهما في التغيير والبناء الجديد في ألق المضمنات
الحسية، ولهذا جاءت الذات هنا أشبه بالمؤشرات التكميلية هنا
وهناك في البناء العام. إذن هيا بنا نقرأ هذه القصة ونقف على
قيامها وقعودها وحركة سيرها المتماسكة بشفافية هادئة. "تراءى
له الشارع من شرفته، في الطابق العاشر، بساطاً يزحف ببطء، نحو
الجهة الأخرى كأن يدا لا مرئية متوجسة ومنشدة تسحبه إليها.
حافلتان بلون برتقالي، وثلاث سيارات أو أربع، ونساء ورجال
وصبية مدارس، ودراجة هوائية نزقة تخرق نظام هذا السرب، يسحبهم
البساط جميعا ليغيبهم في مساحات محتشدة، في مساحات فارغة، في
أزقة مغلقة، في أزقة منفتحة على خرائب، في دور متلاصقة، في
مبان تتصاعد مثل لولب في فضاء المدينة، وسمائها شديد الشحوب."
يدخل القاص هنا إلى العمق المجتمعي، ويفضي به إلى جوانب متعددة
المسميات، عبر إحاطة الأشياء بعناصر القوة والانطلاق، لأن
القاص هنا متتبعاً وكاشفا عن حركة مكونات المجتمع من صغيرها
حتى كبيرها، قد يفهم القارئ العادي أن هذا النص إنشائي، لكن
العكس هو الصحيح فالنص متين في التعاطي مع المضمون ألتناقضي
المجتمعي، نلاحظ هنا أن الكاتب قد تناول ظروف النشأة ودراسة
العوامل الاجتماعية، وتسليط الضوء على نمو الشخصية وتطورها،
وللمخيلة دوراً مهماً في هذا البناء التصويري، كونها هي التي
تكتشف العلاقات الوسيطة بين الأشياء من خلال توغله بعمق
الموضوعات الحياتية، وما يدور في الوسط المحيط بالكاتب، إذن
فالمنظومة الفكرية التي عالجها الكاتب في هذا النص أغلبها
واقعية تتعاط بدقة عبر منظومة الإحساسات الواعية للمشهد، فهو
يجمع مكونات الحياة بدءا بالسيارات، والدراجة الهوائية، وطلبة
المدارس، ونساء ورجال، ويذيبهم في ذات الوقت: في أزقة مغلقة/
في أزقة منفتحة على خرائب/ في دور متلاصقة/ في مبان
تتصاعد..."وبهذا يتوافق القاص بوعي تام مع حركة الحياة اليومية
التي تمشي بانتظام، وقد شكل حرف ال: "في" قيادة الجمل الأشبه
بالشعرية، والمتلاقية في دلالاتها الطبيعية، إلى الرؤية
والوضوح في المعنى. وفي المقطع الآتي نجد أن القاص مستمر في
بسط حركة الشارع ومراقبتها بدقة: " الآن تئز في الشارع عجلات
عربة خشبية بطيئة الحركة، وبائع الصحف حضر تواً وأقعى أسفل
الكشك يفتح أقفاله، يضع كرسيه إزاء الكشك، يعقف قدميه في بقعة
الرصيف المشمسة مترقباً وصول زبائنه، حتى إذا ما شحب الصباح
نقل كرسيه داخل الكشك، وتخثر هناك جالساً في صمت أبدي." وهنا
يكون القاص قد أدخل وظيفة أخرى إلى نصه وهو العامل المتجول في
عربته الخشبية، وبائع الصحف، وبهذا أنتقل من التصوير المُشّاهد
عن بعد، إلى حركة الإنسان مع مجتمعه عن قرب، وممارسة البيع
والشراء، وهذا تخصيص كثيراً ما يترك أثره على اتجاه النص،
ليبدأ بتنشيط قابلية المعنى، والرافد الآخر المهم هو الطبقية،
لأن صاحب العربة وبائع الصحف ينتمون إلى الطبقة الفقيرة
المسحوقة الموسومة ب الكسبة، وهي أدنى درجات الفقر في المجتمع،
وقد نتلمس بوضوح هنا طبيعة المكان وهذا عامل ايجابي ومهم للقاص
في تحديد حالة المكان من خلال طبيعة السرد الانتقالي. وأيضا
إضافة الزمان في مفردته الموسومة بالصباح، التي أذاعت متعة
الدهشة الإبداعية، لأنها أذابت الفاصل الزمني بين الكاتب
والشخصية البسيطة المتوترة، في حين جعلت من الزمن يمشي برتابة
مضنية مع حركة البطل ونهاية الصباح الموسومة في مفردة شحوب، في
قوله: "حتى إذا ما شحب الصباح نقل كرسيه داخل الكشك." فإضافة
المكان والزمان قد يرفع من سقف المعاني، مما يؤدي إلى سمو النص
ونجاحه، وهذا التصرف المعنوي في تنسيق الموضوعات عبر تراكيب
الإيحاءات المختلفة عبر التجلي والانكشاف، يدل على وعي القاص
لهموم مجتمعه من خلال الدخول إلى أدق تفاصيل الموضوعات حساسية.
فالمشهد هنا عاماً أسماه "بالبساط" والمقصود طبيعة المكان، في
قوله: "البساط يتجدد، تتناسخ أشياءه وهو في جريانه إلى الجهة
الأخرى." وهذا يجمع سياح في حافلة يطلون برؤوسهم من "ثقوب"
النوافذ. و"ثقوب هنا ضعيفة والكاتب غير موفق في اختيارها، لأن
الحافلة فيها نوافذ وليس ثقوب، واللفظ في الأدب العربي محسوب
جداً، كونه يعني اصطلاح المعنى أو عدة معان، فلا يمكن أن نرمي
باللفظ في نسيج المفردات الأدبية كيفما اتفق، فهذا يشكل خللا
معرفياً ولغويا وفنيا كبيراً في تقنية النص، وخاصة إذا كانت
اللفظة لها موازين بنائية أخرى " كثقوب" وجمعها الثاني: أثْقُب
يقول د. عبد الغفار حامد هلال في كتابه "علم اللغة" ما يلي: "
يقوم هذا البحث على أساس وضع القواعد اللغوية الخاصة
بالمفردات، والتراكيب العربية، كما نطقها العربي الفصيح،
فالمفردات لها أنواع، من حيث الاسمية والفعلية والحرفية، ولها
مواقع في الأساليب المستعملة على لسان العرب، ولكل لفظ بنية
معينة تتغير حسب المعاني المرادة منها، وحسب مواقعها
المختلفة.3". ولكن يبقى المشهد محتفظا بحيويته وخاصة في مفهوم
فعل الأضداد المتنافرة كما يقول يوسف سامي اليوسف، وهنا في هذا
المشهد نجد علم عملية نفي النفي، فالراوي الكهل يجمع عظامه في
هدوء/ ويسترخي على كرسيه/ تاركا بقع الشمس الباهتة تتناثر على
وجهه مثل طفح جلدي. هذه الجمل الأشبه بالشعر شكلت رافدا منيعا
لوحد النص، وأسست لأسلوب متخصص بشخصية الكاتب، فجعل لقصته
بداية والمحور والنهاية، هي الشيخوخة التي لابد منها. حين قال:
"الشارع يتحرك في عينيه: يبرق، يضيق، يرتعش. يشحب. يزحف في
حركة لا تنقطع." حتى قوله: "ليستعد لنهار جديد في رحلة لا
نهاية لها." إذن هي حركة البداية والنهاية، هي ذاتها بداية
النهار بالشروق ونهايته بالغروب، كما هو الإنسان طفلاً ثم
شيخاً وهي كما قلت، عرفت الحياة كما عرفنا بها بعملية نفي
النفي.
يبقى الأديب الكبير محمود عبد الوهاب واحد
من أهم قامات الأدباء العرب، نأمل من الكاتب أن نقرأ له المزيد
الإبداعي.
جعفر كمال
j.kamal@hotmail.co.uk
الهامش
1- علم اللغة بين القديم والحديث للدكتور عبد
الغفار حامد هلال
2- المجموعة القصصية "رائحة الشتاء" للأديب
محمود عبد الوهاب. الصادرة عن: دار الشؤون الثقافية. بغداد
3- علم اللغة بين القديم والحديث للدكتور عبد
الغفار حامد هلال.
|