|

1
قد تكون طرق و
دروب المعرفة كثيرة و شائكة ، و قد يكون المرء عاجزا عن السير
في كل الطرق و الدروب ، بسبب دوره القصير على مسرح الحياة ،
لكن إن أصبحت إحدى تلك الطرق أو الدروب هاجسه ، حينها يستطيع
المرء أن يبدأ مسيرة الألف ميل بخطوة ، و تتوالى الخطى وراء
بعضها إلى أن يصل إلى الذروة ، و عن طريق التواصل ، تصبح تلك
الذروة أو بالأحرى تصبح نهاية الهاجس بداية جديدة لعمل جيد ، و
قد يرتقي بنفسه في يوم من الأيام إلى درجة الخلود ، ناسفآ كل
حدود الساسة ، طائراَ بحرية في سماء حر بين حضارات الشعوب و
ثقافاتها .
المسرح هذا الفن
الجميل و المتكامل أصبح بحد ذاته هاجساَ لكل عشاقه ومكانا
يرتقي فيه الانسان
و يود اعتلاء
خشبته ليعبر بنفسه عن أبعاد الشخصية التي يمثلها ، فتتكامل
الجهود في النهاية ، ليترك أثرا ربما لا يكون إيجابيا في كل
الأحيان وهذا يختلف من نص إلى آخر ومن طرح إلى آخر ومن ثم من
ممثل إلى آخر. وهكذا بعد يؤدي كل واحد دوره على أكمل وجه
استطاع هو و فريقه ويتم إيصال الفكرة إلى ذالك الجمهور
المنتظر و المتعطش لرؤيتهم بشكل دائم .
إن فن المسرح
حين ولدَ، كانت ولادته ولادة استثنائية حيث خلق في رحم
الديانات و عقائد الحضارات ألا متناهية ، لكنه استطاع أن يحافظ
على مكانته وبقي الفن الأكثر تلاحما مع الانسان بين جميع
الفنون التي سبقته و التي تلته ، هذا ما استنتجته من خلال
قراءتي لمسيرة هذا الفن منذ ولادته و إلى يومنا هذا .
و كما استفادت و
تفاعلت الكثير من الحضارات و الشعوب من و مع هذا الفن
،استنتجته أيضا بأن أسلاف الشعب الكردي كان لهم حظاَ في ذالك
المولود الجديد الذي سمي بالمسرح ، و بالشكل البدائي التي
عرفته تلك الشعوب و الحضارات و يبدو أنها استطاعت أن تطوره و
ترتقي به إلى أعلى المستويات الفنية و الإنسانية ، بالإضافة
إلى المستوى العلمي حيث تأطرشكل المسرح على أيدي اليونان فيما
بعد بإطار قواعدي ،لكن أسلاف الأكراد لم يحالفهم الحظ أن
يساهموا في تطور ذلك الفن الجديد ولا أن يعطوه الاهتمام
الكافي بسبب حالات الإجهاض المتكررة من قبل الغزاة و الطامعين
في خيرات وطنهم ،
ذلك الوطن الذي
لازال مقسماَ بين أربع دول حسب اتفاقية سايكس بيكو لعام 1916،
و لازال الشعب
الكردي يعاني الأمرين ، لكنه صامد ، و يعيش على أرض آبائه و
أجداده ، تلك الأرض التي أنجبته من قمة جبلها جودي خيوط
البشرية الثانية .
من خلال القراءة
و البحث , استوقفتني مقولة المسرحي الفرنسي /جان فيلا ر/حيث
قال: أعطني شعباً جيداً , أعطيك مسرحاً جيداً.
أردت إسقاط
مدلول و أبعاد المقولة على وجود و عدم وجود مسرح كردي بين
أسلاف الأكراد و إلى يومنا هذا , و بالشكل الذي يطالب به /فيلا
ر/ حيث ركزت في إسقاطي على مفهوم الجودة التي طالب بها . في
بداية الأمر أنا صعقت , لأنه يطالب بشيء مستحيل , لكن بعد
التأمل , تأكدت بأن / جان فيلا ر/ يعي ما يقول تماما وهو يحقق
شيئاً من المستحيل على المستوى الفردي , فهو من عاصر حربين
عالميتين و أوجد لنفسه مكاناً واسماً مرموقاً في ظل المآسي و
الويلات آنذاك , و هو من أخرج في تلك الظروف مسرحيتي / قصة
الموت – العاصفة / بالإضافة إلى مسرحيه
/دون جوان /
لموليير , و هو نفسه / جان فيلا ر/ الذي حاز على جائزة النقاد
حين أخرج مسرحية /موت في الكاتدرائية / ل إليوت , وهو من نظم
مهرجان /أفينون/ المسرحي .
كل تلك الأعمال
كانت قبل وأثناء و بعد الحرب العالمية الثانية, كما إن/ فيلا
ر/
هو من بث روح
الإبداع في الخشبة العارية التي كان ينادي بها مواطنه /جاك
كوبو/
إلا إن الأخير
فشل في ذلك حيث عكس / فيلا ر/ الذي نجح و استطاع شحن المحتوى
الثوري للخشبة العارية , حيث اعتمد في العرض وعلى طاقات
الممثلين على مسرح ٍ
عارٍ في فضاء ٍ
طلق , مستبعداً الديكور و الإكسسوار و الإضاءة عن الخشبة وإنما
استعان فقط بالملابس التي قد تخدم الممثل في دوره .
لكن السؤال الذي
يطرح نفسه, إلى من كانت مقولة /جان فيلا ر/ موجهة ؟ هل وجهها
لنفسه , متمنيا الرجوع بالزمن إلى العهد الإغريقي و وجود ملك
ديمقراطي بكل معنى الكلمة مثل /بيير كليث / الذي لم يضع خطوط
حمراء
كبوح الإبداع
والمبدعين؟
أم خاطب بمقولته
تلك صديقاً له , و هو في حالة يأس من الويلات التي كان يراها و
يشعر بها من جراء الحربين العالميتين , حيث قارن بين جلاوذة
القرون الوسطى الذين منعوا تطور المسرح الروماني , وبين جلاوذة
القرن العشرين , الذين يدفعون بالبشرية إلى حروبٍ هم في غنى
عنها..............
2
ولم يبقى من تلك
المآسي سوى الويلات و التخلف و الخسائر و على جميع الأصعدة ، و
خاصة التخلف الذي نشأ وتضخم بين الناس حتى حجب عنهم عملية
الإبداع وحجبهم عنها .
و لأن الإبداع
كزهرة اللوتس لا تزهر دون ماء ، و لأن ماء الإبداع يكمن في
وجود حالة متكاملة من الديمقراطية و الاستقرار و الأمان و حرية
التعبير للمبدعين ، تبين لي في النهاية بأن( فيلا ر) وجه
مقولته تلك إلى صديق له ، و قد كان الاثنان ثملين ، يشربان
خمراَ معتقاَ ، و كان فيلا ر يأساَ من تطور الإبداع بشكل عام و
المسرح بشكل خاص في ظل الحروب .
صحيح إن فرنسا
خسرت الحرب ، لكنها لم تتجزأ إلى أربعة أجزاء كما حدث في وطن
الكرد ، و لو عاش ( فيلار ) أو موليير أو شكسبير أو اسخليوس أو
حتى أرسطو بين الشعب الكردي و كلَ حسب زمانه و في ظل الحروب و
طمع الغزاة ووجودهم ،ما كانوا كل أولئك المشاهير سيزيدون على
ما أبدعه أبناء الكرد منذ القدم و حتى يومنا هذا بزائدة واحدة
، و على كافة المستويات و أشكال الفنون و الأدب ، يكفي إنهم
أتقنوا فن الصمود في وجه الفناء ،كما إنهم تمرسوا في فن التغزل
بالحرية في وجه الاضطهاد ، عدا عن ذلك فقد واكبوا ركب الحضارة
و التقدم و هم على يقين تام بأن الحياة هي المسرح الحقيقي ،حيث
تعلموا منها كل أشكال الفنون و الآداب ، كما استطاعوا أن
يخلقوا لأنفسهم ثقافة خاصة بهم و منذ البداية ، حين بنيت
البشرية على أهم أربع مشاهد مسرحية .
المشهد الأول :
المكان ( الجنة ) الزمان ( وقت غير محدد) ، لكنه بعد أن
وجد كل من ادم و حواء كان النص قد كتب و وزعت الأدوار على
الممثلين ، دون وضع نهاية للعرض .
البطل – ادم ،
البطلة :حواء ، بالإضافة إلى ممثلين ثانويين
الأول النفس و
الثاني العقل و، وشخصية العرض الأساسية صاحب الثائر إنه
الشيطان .
الشيطان له ثائر
لدى ادم ، و هو يصر أن يأخذ بثأره معتمداَ على رهان مع الخالق
، و رهانه يكمن في استحالته لنفس و عقل أدم و حواء و إدراج
ذالك النفس و العقل في طريق الشر ، بذلك سيثبت لله بأنه أي
الشيطان لم يكن مخطئاً حين لم يسجد لأدم .
في المشهد الأول
يحقق الشيطان انتصاراً عندما يتمكن من إغواء حواء ، و يخترق
القانون الإلهي ، وتصبح حواء خارج جنة الخلد .و من خلال طرد
حواء من الجنة ، استطاع الشيطان أن يؤثر على أدم أيضا و جعله
يلحق بحواء إلى خارج أسوار الجنة ، فأصبح هو أيضا مثل الشيطان
و هكذا أصبح الثلاثة على مسرح الحياة ليبدأ المشهد الثاني .
نلاحظ في المشهد
الأول بأن هناك من سبق (شبيس-و خليفته فرينكوس )في خلق الممثل
الأول على الخشبة , كما سبق كل من –اسيخلوس – و سفوك ليس , في
خلق الممثل الثاني و الثالث أيضاً على الخشبة و في زمن لا
يستطيع أحد تحديده إلا اللهم ذلك الذي يعرف تاريخ طرد أدم و
حواء من الجنة وإرسالهما إلى الأرض .
المشهد الثاني :
المكان –الأرض –الزمان و بعد قدوم أدم إلى الأرض طردت حواء من
الجنة وأصبحت من أهل الأرض , و لحقها أدم بالمباشرة ذاتها حيث
بمجرد أن وطأت قدماه الأرض حتى بدأ يلهث ورائها .و الشيطان
من جانبه يراقب الوضع ضاحكاً , فقد تحالف مع النفس البشرية. و
رغم إن العقل رفض ذلك التحالف و واصل تحذيره لحواء أولاً و
أدم ثانياً , إلا أنهما وقعا في الفخ ذاته , و لا زال العقل
ينبه أدم بالعدول عن ملاحقة حواء و الرجوع متضرعاً راجياً ربه
أن يغفر له ذلته تلك فذنبه ليس كذنب حواء وإن هو لا يبالي
للعقل بل و يصر أن يتبع حواء.
في المشهد
الثاني لم يتطلب أي ديكور أو( إضاءة ) أو أي شيء ، حتى
الموسيقى كان غائبا كما كان الحال في المشهد الأول , و قد يكون
هذا مقصوداً لكي يستثار العقل البشري على الأرض و يخلق أدوات
المشاهد القادمة من العدم أو قد يكون قد خزن في تجاويفه صوراً
عالقة من جنة الخلد , لا سيما و إن الأمر قد انتهى و لم يعد
هناك إمكانية الرجوع إلى الجنة ,إذاً فليترك العقل دوره في
تنبيه حامله , و يبدأ بدوره الفعلي بتنظيم مستلزمات العرض
القائم و توزيع المهمات على أعضاء الجسد , و خلق كل ما يدخل في
تطوير الإنسان و تمتين دفاعاته , فالمعركة الحقيقية بين
الإنسان و الشيطان قد بدأت الآن .
المشهد الثالث :
المكان , ذاته – الزمان , بعد ولادة الجيل الثاني .
بعد لحاق أدم
بحواء و الاجتماع بها , توج لقائهما بعناق حاراً و فراش رغيد
لن يتكرر مثل ذلك اللقاء إلى يوم القيامة , ومهما مر الوقت
سريعاً .
التالي.......
|