|

دائما الإرادة هي الحد الفاصل بين الموت والحياة ؛ النور
والظلام ؛ الخير والشر؛ الكرم والبخل ؛ النجاح والفشل ؛على
الوجود والعدم ..........ألخ .
تلك الثنائيات التي تلازمت منذ بشائر البشرية الأولى والثانية
؛ ولم تنفصل إلا بقوة الإرادة أو ضعفها . أيضاً لا تتطور
الشعوب بفضل اكتسابها لتاريخ مزيف ؛ أو حضارة تتصف بالعمومية
في بنيتها وهيكليتها لاسيما إن كانت بعيدةٌ كل البعد عن
الخصوصية المرجوة ؛ أومن خلال لغوٍ متقصدٍ لا معالم له سوى
إتباع القول الشائع ( اكذب..واكذب حتى يصدقك الغير.. فتصدق
نفسك ) . ؛ أو من خلال الوسائل الإعلامية التي باتت لا تحصى
ولا تعد إن كانت مكتوبةً ؛ أو مسموعةً ؛ أو مرئية ً . الهدف
منها شحن العقول بحقائق مزيفة ؛ وما على تلك العقول إلا أن
تستجيب خاصة ًوأنها مقيدة ٌ بأصفاد وأقفال حيث تم إحكامها
ورمي مفاتيحها في فم الحوت ؛ وللأسف الجميع ينتظرون ذلك الصياد
المتمرس على داخله أولا ًوعلى محيطه ثانيا عله يصطاد ذلك الحوت
من مياه دجلة والخابور والفرات ؛ وهو لا يعلم حتى ؛ بأن
الحيتان لا تعيش في الأنهار بل في بحار ٍ تستطيع من خلالها
تأمين معيشتها . المسرح بحد ذاته له عالم خاص ولولا تلك
الخصوصية لما توالدت منه أغلب أشكال الفنون . له تاريخه الخاص
بدء ً من معابد الفراعنة والميتانيين مروراً بالإغريق وأوروبا
القرون الوسطى وصولاً إلى ما بعد الثورة الفرنسية الكبرى وعصر
النهضة ؛ وإلى الآن حيث باتت تلك المراحل من ولادة فن المسرح
ونشوئه محل اهتمام كل مسرحي ؛ أو مهتم بفن المسرح على وجه
الأرض . من ذلك المنطلق تفرع من ذلك التاريخ تواريخ كثيرة ؛
حيث أراد كتابها أن يوجدوا نسبا ً شرعياً لمسرحهم ؛ أو واو
عطف ٍتربطهم بعراقة تاريخ المسرح ؛ أو وضع صبغة ً محلية على
مسرحهم ؛ أو إيجاد صيغة أدبية من خلال ذلك التاريخ المتفرع ؛
يؤكد بأن مسرحهم كان له جذور تاريخية ؛ ومرتبطة بتطوير المسرح
عبر مرور السنين . للكل الحق في التفكير ؛ أو العمل على ذلك
المنوال ؛ لأن المسرح هو ذلك الفن الحي الذي يعبر بنفسه عن
نفسه وعن مشاكل ومعضلات أي مجتمع بعيدا ً عن التصنع ؛
والابتزاز ؛ أو الشهرة السريعة ؛ أو الاحتكار المفرط .أيضاً
لأن المسرح كفن اجتماعي وجماهيري ؛ جميل لا يحتمل الأقنعة أو
الازدواجية فقد بقي أصيلاً وشرعيا ً ويعطي دائماً شرعيته
للأكفىء .
الشعب الكردي مثله مثل كل الشعوب أراد أن يوجد لنفسه ولمسرحه
مكانا ً في قلب ذلك الفن العظيم ؛ لكن الظروف السياسية كانت
تحول دون تحقيق تلك الرغبة بشكلها النظامي ؛ ولو أمعنا النظر
في تلك الظروف السياسية سنجد صعوبة حقيقية في تحقيق منال الشعب
الكردي ؛ وذلك لمجموعة من الأسباب التي لا تحصى. لكن أهمها
استباحة وطن الكرد من قبل الغزاة بسبب الخيرات الوفيرة في وطن
الكرد بالإضافة إلى التقسيم الأول والثاني حيث أدى بهم الحال
أن يعيشوا بين أربع دول ؛ وكل دولة من جهتها تتمتع بسياسة خاصة
تجاه الشعب الكردي وتجاه مقومات وجوده ؛ وحتى في كيفية صهر
الكرد في بوتقهم المتفردة . إلا أن الإرادة الصلبة لدى الشعب
الكردي استطاعت أن تتخطى الكثير من الحواجز المفتعلة،
والسياسات الموجهة لتلك الأنظمة؛ واستطاعت أن تترف عن كثب على
تاريخ ؛ وحضارة ؛ وتطور ذلك الفن الجميل الذي يتميز بالرقي
والتفرد دون جميع الفنون ؛ كما استطاعوا أن يتوددوا منه ؛ وذلك
من خلال أقلام رواده الأوائل أمثال ( أسخيلوس و صوفوكليس و
يوربيدس و أرستوفانيس وأرسطو) .
حاول الكرد جاهدين وبتخوف من التعامل مع المسرح لكنهم حين
بدؤوا وجدوا بأن خوفهم لم يكن في مكانه . فأبدعوا حسب المساحة
المتاحة لهم؛ وحسب ظروفهم القاسية أن يبدعوا في مجال الكتابة
والإخراج والتمثيل ؛ وكأن بذرة المسرح كانت متوارثة في جيناتهم
وتنتقل إليهم مع مرور الحقب .
أن الكثير من الدول أوجدوا لمسرحهم تاريخاً وهم يتمتعون بحالة
كاملة من الاستقرار التام ؛ وعلى جميع الأصعدة والمستويات ؛ومن
خلال أنصاف العروض ؛ أو نصوص معدة ؛ أو كوادر مستوردة ؛
والكرد من جانبهم أوجدوا لمسرحهم تاريخا ًيسبق تاريخ مسرح
الكثير من دول الشرق التي تتمتع باستقلالية تامة ؛ حيث اعتمدوا
في ذلك على نصوص وكوادر محلية؛ والتاريخ يسجل بأن المسرح
الكردي بدء حين عرضت مسرحية (الحرية ) في كردستان العراق عام
1905م . إلا أن ارتباط الكرد بفن المسرح ليس حديث العهد كما
وثقه التاريخ في العهد الجديد ؛ بل قديم قِدم التاريخ ؛
والمؤرخون المسرحيون يؤكدون ذلك حين يرجعون ولادة المسرح إلى
العهد الفرعوني في مصر عام 4000 ق م أي سبق ولادة المسرح
الإغريقي ب 350 عام ؛ وإذا تابع أي مهتم تاريخ تلك الفترة سيجد
بأن العلاقة بين الفراعنة والإمبراطورية الميتانية كانت متينة
جداً ؛ فقد وصلت إلى درجة عقد صفقات الزواج بين العائلتين
المالكتين آنذاك؛ ولن ننسى بأن الطقوس الدينية الميتانية كانت
تمارس داخل
المعابد كما كانت تحدث داخل معابد الفراعنة ويبقى ذلك منوطاً
للباحثين في هذا الشأن لكي يوضحوا الصورة بشكل جلي أمام العالم
؛ ولكي يتأكد المشككون بأن بذور المسرح فعلا ً تناقلت عبر
الجينات إلى الأكراد لاسيما وأن الميتانيين هم أجداد الشعب
الكردي؛ ورغم كل تلك السنين الطويلة لم تصب تلك الجينات أي
شائبة حيث كانت تنضح بوجودها عبر مراحل متعددة من مرور تلك
السنين لكنها أينعت بشكل واضح أثناء الخلافة
العباسية؛ حين كان الكرد يجوبون شوارع بغداد والقاهرة على شكل
فرق جوالة يعرضون ما لديهم من نصوص درامية خاصة بعيدها القومي
عيد النوروز ؛ ونصوص كوميدية غايتها الضحك وجني المال ؛ ولو
وقفنا بشكل جدي على مايسمى بمسرحة لعبة خيال الظل سنجد بأن
هناك اختلاف في الآراء حول ولادتها ومكان نشوئها . البعض يقول
بأنها من إفرازات فن المسرح ؛ والبعض ينفي ؛ . والبعض يؤكد
ولادة لعبة خيال
الظل في تركيا وتوافدت إلى المنطقة العربية فيما بعد ؛ وبعض
الباحثين يؤكدون بأن موطنها الأصلي كان بين الصين والهند
وجزيرة جاوه ومن هناك انتشرت ووصلت تركيا ومن ثم إلى مصر
والشام وبغداد . إلا أن البعض الأخر ينفي ذلك معتمدين على
تأكيد الأستاذ إبراهيم حمادة حيث يقول " بأن أقدم تنويه لوجود
لعبة خيال الظل في المنطقة برمتها كان عام 1171 م حين شاهد
السلطان صلاح الدين الأيوبي ووزيره الفاضل عرضاً لخيال الظل في
العراق ذلك الوقت؛ ولم يعد خافيا على أحد كردية صلاح الدين؛ أو
قادته ؛ أو أفراد جيشه ؛ . ولكي لا يحكم أحدهم على ما ذكر من
حجج وبراهين على أنها جزئيات تستوجب الدليل القاطع . أقول : لو
أن شعبا أخر عاش ظروف الشعب الكردي لأنقرض منذ زمن بعيد؛ ويكفي
لو تابع أي مرء ٍ تاريخ حضارة الميتانيين والميديين سوف يكتشف
ويتأكد أكثر من الحقائق التي ذكرت سالفاً ,وما يواسي الشعب
الكردي في مصيبتهم هو نزاهة التاريخ وصفائه وصدق الجينات ,
أيضا لا أنكر إن ما ذ ُكر يلزمها وقفة متأنية وبحث دقيق . هذا
بالإضافة إلى العمل والتنقيب في المواقع الأثرية
للإمبراطوريتين ( الميتانية والميدية ) ,. ومن جانب أخر لازال
الباحثون يؤكدون بأن ولادة المسرح كان من رحم المعابد الدينية
الإغريقية , حيث انتقلت في تلك الفترة إلى المعابد الميتانية
ومن ثم إلى العالم ,أو بقيت حبيسة المعابد إلى أن أتت الولادة
الثانية لفن المسرح أيضا ًمن رحم المعابد الإغريقية, وتأطرت
بقوانين من خلال كتاب أرسطو ( فن الشعر) ثم اعتمدوا على
ملاحمهم وأساطيرهم إلى جانب النصوص التي كان يكتبها روادهم
آنذاك .
إن من يطالع على المكتبة الكردية سيجد كماً كبيراً من
الأساطير والملاحم والنصوص التراثية المكتوبة والمقروؤه ,
والتي فيها من مستلزمات وأساسيات النص الدرامي إن كان ذلك على
مستوى الحكاية بشكل عام , أو على مستوى تصاعد الأحداث ووجود
الحبكة , أو وجود الشخصيات الكافية لتسيير العمل وتركيبتهم
النفسية , أو وجود الثنائيات المضادة أو وجود الدلالة , هذا
بالإضافة على تحديد الأمكنة . فمن يقرأ (مم وزين و
قلعة دمدم و رستمي زال و سيامند وخجي ) وغيرها من الملاحم
والأساطير , ويلاحظ مراحل سير النص سيجد بأنها كتبت بنفس مسرحي
ٍ رغم أن عمر بعض تلك النصوص يزيد عن ثلاث مائة عام , وهذا
دليل أخر على أن الجذور المسرحية المتواجدة في الجينات الكردية
المتوارثة كانت ولازالت تنتظر النبات في تربة الإبداع الكردي ,
لكن بشكل ٍ مستقر ٍ , . لاسيما وأن الخصوبة موجودة , وأقرب
مثال رغم كل الصعوبات والمضايقات فإن الفرق الفلكلورية
الكردية أثناء عروضها في عيد النوروز تقدم عروضاً درامية
وكوميدية وميلو درامية وعروض ( البانتوميم) بشكل جميل رغم أن
البعض يسميها ( نمرة أو فلاش ) , وفي أحسن الحالات يسمونها
مسرحيات قصيرة . إلا أن الظروف المحيطة بهم وندرة مستلزمات
العرض الكامل تحكمه أن يعملوا وفق ذلك الأسلوب , والسؤال الذي
يطرح نفسه : لو أن هذه الفرق سمح لها بالعمل وبشكل علني
وبلغتها , ولو توفرت لها الأجواء اللازمة بدءً من إلغاء الخطوط
الحمراء وصولا ً إلى وجود مكان للعرض , لأبدعت تلك الفرق في
عروضها؟ ولو غيرنا من صيغة السؤال ووضعنا أي فرقة مسرحية
أكاديمية في ظروف الفرق الكردية هل ستنتج الفرق الأكاديمية كما
تنتج الفرق الفلكلورية الكردية ؟
سيبقى السؤال له ألف جواب وألف تأويل إلى أن يصح الصح ,
ويتوضح الخيط الأبيض من الخيط الأسود
نور شوقي كوراني |