|

يلاحظ أن التقدم
التكنولوجي الهائل الذي أحرزته وسائل الإعلام –منذ اختراع آلة
الطباعة على يد جوتنبرغ في القرن الخامس عشر – حتى المرحلة
الراهنة كان له انعكاسات عميقة في اتساع وسائل الإعلام من حيث
الكم والنوع ووصولها إلى مجموعات سكنية متنوعة تزايدت أعدادها
بصورة ملحوظة خلال ربع القرن الأخير , وقد امتدت وسائل الاتصال
الجماهيرية إلى المناطق النائية من العالم ولم تعد قاصرة على
سكان المدن والعواصم مما أدى إلى حدوث تحول أساسي في طبيعة
الوظائف والأدوار التي تقوم بها وسائل الاتصال ولا سيما
الصحافة والإذاعة هذا بالإضافة إلى الانتشار السريع للتلفزيون
في الدول المتقدمة وتزايد نمو تأثيره في العالم الثالث قد حمل
معه تغيرات اجتماعية وثقافية متنوعة لا تزال في حاجة إلى
استكشاف وتقييم لأبعادها المختلفة على الوجه الأكمل وعندما
نحاول إلقاء نظرة شاملة على الخريطة العالمية للإعلام سوف تثير
دهشتنا أوجه التفاوت البارزة في توزيع وسائل الاتصال
الجماهيرية وخصوصا بين دول الشمال والجنوب حيث أن العالم
الثالث في ( آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية ) والذي يضم ثلاث
أرباع سكان العالم لا يملك سوى نصف مجموع الصحف وربع مجموع
التوزيع في العالم الثالث مثلاً:"في إفريقيا يبلغ متوسط
التوزيع نسخة واحدة لكل 90 شخص ".
وعندما نحاول
التصدي لمناقشة الأدوار والمهام الأساسية لوسائل الإعلام في
العالم الثالث في مرحلة ما بعد الاستقلال نلاحظ أن هناك ثلاثة
مهام محددة تفرض وجودها على الساحة الإعلامية في العالم الثالث
منها دور وسائل الإعلام في خدمة أهداف التنمية الشاملة وخصوصاً
أبعادها الشعبية وعدم الاقتصار على معالجة وتناول مشكلات
واهتمامات النخبة فقط , ودوره في حل التناقض بين حرية الإعلام
وتطوره كمهنة وبين دوره في هذه التنمية , وأخيرا دوره في
اكتشاف الملامح العامة لنظريات تفسر الأوضاع الإعلامية في
العالم الثالث.
ورغم وضوح هذه
المهام في أذهان معظم الحكومات ومخططي السياسات الإعلامية في
دول العالم الثالث إلا أن هذه الحكومات أو الجهات المعنية
مستمرة في خرق أجواء الإعلام وقوقعته وتسييسه حتى يصبح وسيلة
في يدها يخدمها في شتى المجالات وليس العكس .
هذا من جهة ومن
الجهة الأخرى ظهور بعض المشكلات في وجه الإعلام وهو استمرار
الميراث الاستعماري في مجال الإعلام في اغلب دول العالم الثالث
ويتمثل ذلك في عدة جوانب كاستخدام لغة المستعمر في أجهزة
الإعلام مثل بعض الدول الإفريقية ذات التعبير الإنكليزي
والفرنسي حيث لا تزال وسائل الإعلام فيها تبث وبشكل رئيسي
باللغتين الإنكليزية والفرنسية التي لا يجيدها سوى "10"% من
سكان هذه الدول , وكذلك يتمثل من خلال قوانين المطبوعات وجرائم
النشر إذ يلاحظ أن معظم هذه القوانين مأخوذة عن القوانين
الإنكليزية والفرنسية والأمريكية.
وكذلك لا يمكن
إغفال تأثير النخبة المثقفة في العالم الثالث والمتأثرين
بدورهم بالثقافة الغربية والذين لا زالوا يمارسون حتى الآن
النمط الغربي في التعبير الإعلامي لأنه النمط الوحيد الذي
عرفوه , ويضاف إلى كل ما سبق العجز الواضح الذي تعاني منه جميع
دول العالم الثالث فيما يتعلق بالقدرة على توفير مستلزمات
التكنولوجيا العصرية في مجال الاتصال الجماهيري وإن كان لا
يخفى الأمر عن بعض المحاولات في بعض دول العالم الثالث مما
ساعد إلى خضوعها لسيطرة الدول الصناعية وقد اتخذت هذه السيطرة
شكلين متميزين تمثل أولها في الجانب الاقتصادي ( رؤوس الأموال
والتمويل ) وتمثل الثاني في الجوانب الإعلامية والثقافية
(أخبار-مسلسلات-البرامج التلفزيونية) وننوه هنا إلى قناة
"mbc"
كنموذج على ذلك.
وقد ساعد على
ذلك حرية تبادل الأنباء والرسائل الإعلامية بين الدول الغربية
والدول النامية والتي أدت بدورها إلى سيطرة الثقافة والمفاهيم
الغربية وتهديد الثقافات المحلية وبهذا خلقوا استعمار جديد من
لون آخر وهو الاستعمار الثقافي بمعناه الشامل من خلال البرامج
الدرامية وبث أنماط السلوك الغربي (ستار أكاديمي-سوبر
ستار-إكسير النجاح)ومحاولة ترسيخه لدى الشعوب النامية.
وفي إطار هذا
الواقع الإعلامي الذي يحفل بالعديد من السلبيات يثور السؤال
التالي
"إلى أي مدى
قامت وسائل الإعلام في العالم الثالث بمهامها الأساسية في
التوعية والتثقيف والكشف عن الحقائق "؟؟؟
وإذا كان البديل
الوحيد لهذه الأوضاع هو الملكية الوطنية لوسائل الإعلام في
الدول النامية والاعتماد على المضامين الوطنية للمواد
الإعلامية والاستعانة بكوادر وطنية تجيد اللغات المحلية فإن
هناك العديد من الصعوبات التي تعترض تحقيق هذه المهام وأبرزها
التبعية السياسية والاقتصادية التي تدين بها هذه الوسائل
للدولة الحاكمة مما يؤدي بعد هذه الوسائل عن الجماهير واعتماد
هذه الجماهير على الإعلام الغربي الذي تجسد هدفه الأساسي في
التسويق إن كان (سياسي –ثقافي-اجتماعي-إلخ), وهذا البديل
الأخير الذي يجد حماسا لدى معظم دول العالم الثالث من تعلقها
الجنوني بمنتجات الحضارة الغربية الحديثة وخصوصا في مجال
الإعلام , إذ بمجرد أن تبدأ دولة نامية باقتناء المنتجات
التكنولوجية الإعلامية الحديثة سرعان ما يؤدي على خلق أنماط
سلوكية تؤثر على الحياة الاجتماعية داخل المجتمعات النامية
مثلاً (ظهور الهاتف المحمول ) وما تتبعه من سلوك شاذ في بعض
الأحيان.
والواقع أن
المطلوب ليس التوسع في استخدام أجهزة حديثة أو إلقاء أعباء
جديدة فوق كاهل الدولة ولكن ما يجب التركيز عليه هو ضرورة
التعمق في تناول الإعلاميين للمشاكل الاجتماعية والسياسية
والثقافية التي يكتبون أو يتصدون لمعالجتها.
ومما يثير
السخرية في إعلام العالم الثالث باستخدام أحدث الأجهزة
التكنولوجية بينما لا يقومون بتطوير المضمون ليماثل مستوى
الشكل فالسرعة الجنونية في نقل الأخبار لا تعكس المشاكل أو
الطموحات في المجتمع أو أوجه التغير والتناقض بين المصالح
والقيم التقليدية وبين القيم الجديدة التي يزخر بها هذا
المجتمع فمثلا(تهتم وسائل الإعلام بتصوير الوزير أثناء افتتاحه
لإحدى المدارس أكثر من اهتمامها بتناول أسلوب التعليم في هذه
المدارس أو التعليم وأنواعه ).
لذا يجب على
وسائل الإعلام العودة للوراء والتخطيط من جديد لإعلام جديد في
عصر صارت فيه المعلومة من أخطر السلع تأثيرا على فكر وحاضر
ومستقبل البلاد .
شيار محمد
Shiyar-kurd@hotmail.com |