|

لماذا تصبح
الأشياء جميلة عندما تبتعد؟ تصبح أكثر روعة وغموضاً، تثير
فينا رغبة اكتشافها
ومحاولة التمتع بجمالها.
الجبال القريبة ضخمة كئيبة ولكننا عندما ننظر إليها من
بعيد نحسّ برغبة في الاقتراب منها، أشجارها تصبح خضراء جميلة،
أكواخها تبدو رائعة
والدخان ينبثق منها، حتى زقزقة العصافير على أشجارها تصبح
خافتة هادئة تدعوك
للاقتراب أكثر
.
لو كانت النجوم قريبة لما سهرنا الليالي لنعرف عددها ولما
ترقبنا حلول الظلام لنسبر غور غموضها، لو كانت قريبة لما
اخترعنا التلسكوب
لنراقبها.
وذاك القمر البعيد لو كان قريباً لما نظمنا من أجله الأشعار
ولما حكنا
حول أسراره حكايات كثيرة ولما غنينا له أو رسمنا له لوحات.
عندما تطيل الغياب
أحس بأنك تبتعد، أحتاج إلى قلقك، إلى خوفك، إلى صمتك وإلى غموض
تعابير وجهك
!
لماذا تغيب كل أشيائك عني ... مفتاحك، زجاجة عطرك، علبة دوائك،
دخان سجائرك؟
لماذا
تغيب كل ملامحك عني ...غضبك، عصبيتك، تعبك، لون عينيك
........مقاس حذائك، ربطة عنقك والفرح القادم من عينيك ؟!
ما زالت ترمقني الكتب التي قرأناها معاً،
مازالت تزورني تلك النقاشات التي علَت فيها أصواتنا بغضب
.....ما زالت تعاتبني
خارطة فلسطين فوق الحائط، ما زلت أراها قريبة بألوانها الأربعة
تغيب عنها مسافة
الزمن ومساحة الجغرافيا.
يتعبني قلقي، أبحث عن عينيك تؤويان خوفي،
يتأرجح
قلبي بين أضلاعك يبحث له عن مأوى؛
وحين
أقرأك تضمني الكلمات ويشتد العناق،
أحلم أني سأبقى هناك أصارع حياة من أجل الموت، من أجل خروج
الجسد من الروح
..
أراك تبعد يدي عن ذراعك بعنف مثل الذي يبعد الحب عن
الصلاة...أليس الحب طريق
التواصل مع الإله، أليس الحب صلاة صامتة؟ لماذا تبعد حبي عن
صلاتك؟ لماذا تريد أن
تجعل الصلاة وسيلة سيطرة وإرضاخ لمفاهيم سرية؟
لم تعد الألوان تعكس توهج
ابتساماتك، لم يعد الليل كافياً لأحلامي الباقية لأن المساء
فقد حلاوته وباتت تأكله سنوات
الحرب والرعب، رحل صوتك، راح صوب الجهة الأخرى يريد فضح الأمة
الصامتة والعالم
القوي، لم يعد لديك متسعٌ من الوقت لتصلي في محراب عينيّ
الناعستين، تحولت الصلاة
الى حديث خلف الصمت والخوف والقلق
.
لم يعد البرد يحمل لنا موسم الدفء الذي يحلم
به العشاق، لم يعد يغطينا الضباب فوق تلك السفوح القريبة، ولم
تعد تلك الأشياء
قادرة على أن تبعث الحب والشوق في جفوني.
لونك الرمادي بات يقلقني وبدأت أبحث عن لونٍ
يفصل الأبيض عن الاسود فيه.
الكاتبة
والشاعرة
فلسطين
: تغريد كشك
tkishek@hotmail.com |