|

ذات صباح
استيقظ أهالي البلدة المجاورة على الحدود , وجلين , مرعوبين ,
هارعين إلى مصدر النواح والصراخ , أوصالهم ترتعد خوفا من
المجهول وكأن القيامة قد قامت ,وجوه كئيبة و عيون دامعة .
بينهم من لا يتمالك نفسه فيصرخ باكيا رافعا يديه نحو السماء ,
سائلا ....لماذا ؟. لماذا ....ياربي ؟. والنساء لا تنقطع
ولولاتهن , متجهون جميعها صوب الحدود التي تفصلها سكة القطار
والأسلاك الشائكة , أما الطرف الثاني فمزروعة بأشد أنواع الفتك
والتدمير من الألغام والمتاريس والثكنات .
في الهجيع الأخير من الليل سمعت البلدة دوي إطلاق العيارات
النارية من النوع الثقيل وكأن الحرب بدأت رحاها , ثم انتقل الى
مسامع الناس بان بعض العتالين قد استشهدوا في الطرف الثاني من
الحدود , ولكن من هم , وما أسماءهم , لم يعلم بعد , سوى أنهم
سبع أشخاص قاموا بنقل صناديق الشاي . وكالعادة على علم وتنسيق
مع بعض المخافر للطرفين عن طريق تاجر .وبما ان البلدة صغيرة و
تربطهم علاقات اجتماعية وعشائرية تسربت إليهم بعد حين . بان
الوضع أصبح في غاية من الحساسية وهناك توتر ملحوظ لكلا
الدولتين والسلطات المحلية تحاول ان تتصل عبر الدبلوماسية مع
الدولة الثانية وتطلب تسليم جثثهم والمصابين الآخرين , وتبين
بعد ذلك من هم القتلى الثلاث .
كنا
صغارا وقتها وأعمارنا تتراوح بين ثلاثة عشر وستة عشر عام ولا
يخلو بيننا بعض كبار السن ممن لا يستطيعون العمل سوى الحراسة ,
أغلبنا من الطلاب المرحلة الإعدادية وأبناء المعدومين والفقراء
باستثناء بعض أولاد الموظفين ذوي النفوذ والقوة . والذين لا
يناوبون ولا نرى وجوههم إلا أثناء توزيع النقود , كان والد
احدهم ضخم الهيئة وذو كرش كبير يتسع لشوال من القمح , فحين
يلمحه أبو البر , زميلنا في الحراسة , يكبرنا قليلا ويعلم ما
لم نعلمه نحن , يهمس في أذن زميله ويقول :
- يا ترى ,
أباه كيف يضاجع زوجته , أظن وحسب ما قرأت في كتاب حياتنا
الجنسية يناسبه وضع الحصان . يرد عليه زميله بقهقهة ناشزة بين
كلمة وأخرى :
- لا ....لا
..هههههههه , هذا العملاق هههههه , يناسبه وضع الفيل هههههه,
تصور فيل ينكح حمامة ...آآآه , ثم يواصل هههههه ؟.
كان
عملنا هو حراسة أكياس القمح من السرقة أو طرد الحمير بين (
الاستوكات والجملونات ) لدى مؤسسة زراعية تسمى ( الميرا )
والميرا عبارة عن ( هنكارات ) مستودعات ضخمة بنتها آنذاك
الدولة الفرنسية لجمع المحاصيل الزراعية ومازالت موجودة حتى
الآن .
كنا
نعرف جميع العتالين , القوي منهم والذي يتباهى بحمل أكثر من
كيس على كتفيه , والوسط الذي يكاد يحمل كيسا على ظهره وأرجله
ترتجف , فيستهزئ البقية به ويمازحونه ويقولون له : أنت ( خربو
) لا تصلح شيال , خرجك مع الضعفاء , تشتغل ( عكام ) فقط .
يتحجج بانه البارحة كان ساهرا مع زوجته وانه هدر قوته
فيضحكون ويمزحون والعرق بتصبب من أجسادهم , أتذكر ذاك القبضاي
الذي كان يحمل كيسين على كتفيه ويدون ان نلاحظ عليه أي إجهاد
وهو يتسلق السلم أو ما يسمى ب ( الرنية ) ويضعها في شاحنة
صغيرة تسمى ب (كميون ) أما الطرف الثاني من الحدود فكانت
تسميها ( قميون ) .
في
تلك الليلة المشئومة اتفق التاجر مع عتالين كان يتعامل معهم
على ما يبدو سابقا بهكذا مهمات والتي لاتخلو من المخاطرة بل
تضع الروح على الكف وتحملهم الأكفان سلفا . ابلغهم بساعة الصفر
لنقل البضاعة , كانت تجارة الشاي ذو ربح وفير لايصدق , فهي
أضعاف أضعاف ما تربح عندنا ومكسبها في بضع ساعات قليلة ,
طمأنهم بان الأمور ميسرة ولا خوف من أي سوء طالما الثكنة
بكاملها في قبضة يده , وقد اتفق معهم بالمرور كالعادة تحت
الجسر القريب , حيث لن يشكك احد بذلك ولن يتعرض احد الى الأذى
أو الخوف من الألغام المزروعة .
والحمولة
لسبعة صناديق , علينا تأمين أشخاص موثوق بهم وقريبون منكم حرصا
للسرية في عملنا وعدم تسريب معلومات عن التهريب لبعض الجهات
التي لم ادفع لها واستطرد:
-
نحن بغنى عن المشاكل يا أخوتي ؟.
-
هز
الحاضرون رؤوسهم بالتأييد .
اجتمع العتالون السبعة في
المكان المحدد ولدى الحضور تبين أن الصناديق فقط ستة ؟!.
فاضطروا إلى الاستغناء عن احدهم , وهذا الواحد ذو الحظ العاثر
سيعود إلى البيت خال الوفاض يجر أذيال الخيبة.
أما الباقون الستة , ربط
كل واحد منهم صندوقه على ظهره بإحكام , فلهذه اللعبة قواعدها
من تسقط عنه الصندوق أو لم يستطع تسليمها للنقطة الثانية لا
ينال الأجر وسيحرم من العتالة بالتأكيد , كونه سيصبح علكة بفم
الآخرين من أقرانه بأنه ضعيف وجبان والى آخر صفة من هذه الصفات
الدونية .
استعد الأول بالخطوة
نحو الشمال باتجاه الجسر وتلاه البقية بصمت بحيث يكاد لايسمع
حفيف لباسهم , حاملين معهم أحلامهم والعودة إلى البيوت وفي
أيديهم مال تعيلهم في ضائقاتهم والالتزامات المتربة عليهم من
مصاريف وديون , كان الأول يفكر بوضع ابنه الكبير الذي انهي
الخدمة ولم يتزوج فتاته بعد . فيحدث نفسه :
-
عدة سفرات كهذه سأجمع مالا , اطلبها له وأفرحه بها وأريح
كاهلي.
أما الثاني - فيحدث ذاته :
-
صباحا إنشاء الله , سأتوجه إلى صاحب الدار وأعطيه أجرته , لقد
تأخرت عن الدفع كثيرا, صرت أراه في الشارع أغير مساري , والله
عيب ؟.
الثالث – يقول :
- سأشتري دواء لزوجتي ,
يبدو أن دواء المستوصف لم تنفع معها وتحسن صحتها , إنهم
يعطونها مسكنات فقط .؟. كيف لها أن تعالج ..؟. لابد من أدوية
معالجة .
الرابع – يقول :
-
سأشتري زوجين من الحمام المجري ذو الأعناق الطويلة وسأضع خلاخل
في أرجلهم ,كما وعدت ولدي وليتباهي أمام أولاد الحارة , سألبي
طلباته كلها , انه وحيدي وغدا عندما يتهي دراسته سيعوضنا كل
شيء وارتاح على الأقل أواخر عمري .
الخامس – يحدث نفسه :
-
غدا إنشاء الله , سأشتري ذاك المذياع الذي أعجبني وسأستمع إلى
مذياعي الخاص , أصبحت اخجل من وضعي , بسهري الدائم عند بيت عمي
والاستماع إلى أخبار تخص ( كالو ) .
وفي سره بدأ بأغنية ( هر بزي بافي لقمان ) .
-
السادس : حلم بوليمة كبيرة مشرفة يعزم أقرباءه وبالأخص أولاد
أخيه ويقول : الجمعة طيبة يا زلمة ..؟.
- المسكين السابع وهو في
طريق العودة يحدث ذاته :
-
آخ
...آخ . .. شو هالحظ ؟. صدق من قال : اللي مالوا حظ لا يتعب
ولا يشقى .!. يا زلمى اللقمة وصلت للتم .....- ضرب راحة كفه
على جبهته - وقال : حظ ؟؟!!. وتذكر زوجته وتمتم كيف أبرر
القصة لزوجتي , إنها لا تفهم , ستجثم على صدري و تقول : هات ,
وهذه فرصة بان تصب جام غضبها وتنعتني بالضعيف والمسكين اللي
القط يأكل عشاه .
كان بريق سكة
القطار يلمع بسبب انعكاس ضوء القمر , وتتضح شيئا فشيئا, كلما
اقتربت المسافة بينها وبين حاملي صناديق الشاي , وما أن وطئت
أقدامهم الطرف الثاني من الحدود , حتى بدأ وابل من الرصاص
تخترق أجسادهم الرطبة .
كبرنا , ومن عاداتنا
زيارة المقبرة في صبيحة أول أيام العيد , وباعتباري من الناس
العائدين إلى البلدة بعد فراق طويل بسبب العمل خارجها , توجهت
مع أسرتي إلى المقبرة القريبة من (الميرا ) ومن الحدود , وأنا
اقرأ الفاتحة على أرواح الأموات , تذكرت ذاك الحدث الأليم منذ
سنين , فأخذني قدماي إلى قبر اؤلئك الشهداء في سبيل لقمة العيش
, حينها انتبهت إلى شاب مفعم بالحيوية والشياكة , رافعا يديه
نحو السماء وهو يقرأ الفاتحة على أرواحهم , فاقتربت منه حتى
كدت ألامسه وسألته بفضول :
-
هل
احد منهم من أقربائك ؟.
-
نظر إلي باستغراب , ورد علي : وأنت من تكون ؟.
-
كنت اعرفهم واعرف جميع العتالين في البلد - وبحركة إيمائية من
يدي -كنت احرس هذه المنطقة .
-
إذا تعرف قصتهم – هز رأسه – واستأنف قائلا :
أنا يا أخي , ابن ذاك
العتال الذي لم يظفر بحصته ولم ينله الصندوق ورجع إلى البيت
خائبا ؟.. لقد بعدنا عن البلد ولكن كلما سنحت لنا الظروف وخاصة
المناسبات نأتي إليها , وازور المقبرة لأقرأ الفاتحة على
أرواحهم , واحمد الله على عدم نيل والدي الصندوق , فلولاهم لما
عاش والدي بيننا .
- انتهت -
* شيال وعكام : مصطلحات
العتالين , شيال : يحمل الكيس على طهره , أما عكام : فهما
اثنان يساعدان الشيال لوضعها على ظهره .
ماهين شيخاني .
14-9-2008
|