|
|
|
شــعر |
|
|
| |
بوركت الشاعرة الإيرانية، فروغ فرخزاد في
قبرها، لأنها قالت:
"إنني أحب الحزن أساسا، وأستطيب المعاناة"،
ولكــــني أرد عليها قائلا
:
"إني أجــاري الحـــزن، وأخاف مـــــــن
طيب المعاناة".
-1-
يتيما أسير،
كحلم مرقع،
شارع وشارع وشارع،
ظلام ينتهك الأزقة،
قطط اطمأنت للمساء،
وأميال من الدمى المتحركة
تتنافس الخشبة،
هنالك في قفص ضيق من صدري،
أرق وحزن يتسامران،
بعيدا عني،
يتبادلان النكت،
أنتفض،
فأجد افتضاضا،
على ورق متعري،
لتبدو لي…،
قارعة طريق متنحية،
وفتاة وفتى في زاوية،
في صلاة مبتذلة،
تطل عليهما شجرة غريبة،
متورمة، مزكومة بأتربة النسيان،
وعمود كهرباء داكن يجاورهما،
يبدو متورعا في انحناءته،
آلمته نجاسة المنظر،
فأشع بسبحته المتوقدة،
وأطلق نوره من فوق،
ليختفي العشاق في صمت،
كأشباح كل مدينة.
طريق عين الذياب-البيضاء
-------2------
متشرد حذق ومتعب،
يتوسد الأوهام،
ويطارد الأسماء والأزقة والهواء،
يبتسم ساخرا من العقلاء،
يبدو مقنعا، مرتاحا لأدائه،
يصفق بحرارة ثم يبصق مرارته.
الطريق إلى المعاريف- البيضاء
---3-----
حافلة تطارد الأضواء،
وسكانها ينظرون، في بلاهة لعقارب الساعة،
يكررون الاختلاس مرارا وتكرارا،
فينزلون عند أول شارع للمدينة،
ليمارسوا عرض الأزياء.
الطريق إلى المعاريف- البيضاء
---4---
شرطي يتحسس مشيته،
يعتدل واقفا، ويشير إلى سيارة بالتوقف،
سيدتي، "خرقتي قانون التجاوز !
فلما كل هذه السرعة..؟
سيدي، أنا في مهمة رسمية،
سيدتي، انطلقي موفقة"،
سيارة "بي إم دبليو"،
تتوقف أمام مرقص راقي،
تنزل سيدة رقيقة،رشيقة، مبتسمة،
ترمي بالمفاتيح في الهواء،
وتقتحم بابا جانبيا.
الطريق إلى المعاريف- البيضاء
-------5-------
شاب يخطو مهرولا،
في سباق مع أنفاس المدينة،
يتأبط قلما وورقة،
يلتفت يمنة ويسرة،
يتوقف ويشعل سيجارة،
ينفث ماضيه خلفه،
وتلتهمه أول حانة تصادفه.
الطريق إلى المعاريف- البيضاء
---------5--------
يرتفع الآذان، الله أكبر، الله أكبر،
يسدل الليل غطاءه،
ويمارس إغواءه في الكواليس،
يشحذ الأضواء والبغايا،
ينادي على "الشطار" والمترفين،
ينفي البؤساء للزوايا المظلمة،
ومعهم، يحشر التائبين والعابدين،
يرتب إخراجه الأخير،
لينسحب إلى آخر العالم بغطائه،
وبنبيذه، المحلى بالسحاب،
يترك يأجوج ومأجوج يثملون،
يرقصون ويتهتكون،
يشاهد الخشبة والتمثيل،
يصفق للإخراج والمسرحية،
مرة أخرى،
ينسحب متعبا،مترنحا،ساخرا،
ليختلي في كهف بعيد،
يترك غرميه النهار،
يعلو ببياضه الأفق،
ويبدأ في حملة التفتيش،
يزحف على الأركان والزوايا والأزقة،
يكتشف بقايا الرذيلة،
فيطهر ويمسح بقع السواد،
ويفضح غريمه المنسحب.
شارع اليعقوب المنصوري- المعاريف- البيضاء
-------6--------
شرود حذر،
يطارد موجة حتى تنتحر،
نوارس غرباء...
يتطهرون بالرقص،
غير بعيد عنهما،
صرخات وآهات للبحر،
تعلو زبد موجة،
يهمس بها للصخر...
ثم ينسحب منكسرا منبوذا،
شمس تحط رحالها، رويدا،
تغمس أشياءها في البحر،
ترسم عمودا تشق به ظهره،
ثم تسلطه على أحشائه في تغنج،
وعلى الشاطئ،
أشباه أجساد تمر متراخية،
لتتزاحم في الاختفاء،
...أنا كنت واقفا هنالك،
أنتظر أن تتعرى الشمس،
لتنزع أحجبتها،
وتتخلى عن وميض كبريائها،
عن حرقتها ومركزيتها،
أنتشي بخجلها،
مناشدا البحر أن يشركني في قداس التطهير،
هنالك كنت واقفا...
أضع نياشيني،
أرتب كلماتي،
وأسترق السمع والنظر للأحاديث،
أتمتع باستحياء السماء البعيدة،
أبادل الغرباء الحب والتحية،
أرشقهم بالشعر والقبلات،
-هنالك- على الشاطئ
كنت أنمو في كبرياء،
لأنسحب في صمت.
شاطئ عين الذياب- البيضاء
------7-------
أيتها الشمس، ألسنا أصدقاء؟
فلما كل هذا الجفاء؟
أتتخلين عني، للأحزان المتوحشة؟
ألم نكن بالأمس القريب،
نجلس القرفصاء؟
في باحة المنزل،
وعلى رمال الشاطئ الدافئة،
نتبادل الأحاديث،
كل مساء،
ونرقع معا جيوب السماء،
التي مزقتها أمواج البحر الهوجاء...
يا شمس كبد السماء،
تواضعي للأصدقاء،
وخففي لهيبك عن البؤساء،
وعن المزارعين الفضلاء،
وعن بعض العشاق والشعراء،
فصديقي القاعدي، يقول لك:"
أمطريها نارا،
على من تشائين من الكبراء،
أو نكلي له بخدود "أحبائه الوزراء"،
وبعطر عارضات الأزياء،
وأجساد بائعات الهوى"،
نفذي له وصيته الشيماء،
واسمعي لأدعيته البكماء،
ولا تنحازي لموائد أولئك البخلاء،
طبقة مترفة جوفاء،
تبدو له خاملة، ساذجة، جوفاء.
شاطئ عين الذياب- البيضاء
-8-
أحلام كثيفة تعلو جبهتي،
تسوقني متوجعة،
لا تمهلني السكون،
تترمل عيني من النوم،
ويلفظني الليل،
تتناسل الآهات،
لتتزاحم في جعبتي الطفولية،
فلا أجد غير الدهشة،
واقفة في ركن الذكريات،
فانية الجسد وحيدة،
فأستجدي الزمن الجميل،
عله يمرح ومساءاته،
فيما أطارد ظله المنسحب،
انتظرت هناك طويلا...
ولم يسمع لشوقي،
الشفق الحزين،
كما صامت الشمس والبحر عن التغريد،
ونزل التحريم، ليلجم المدينة عن الغناء،
فاغتصبت الحيرة الفضاء،
تمنيت حينها،
أن أمسخ شمعة باهتة الألوان،
تضيء زقاق العشاق،
الحيارى،
والتائهين.
مكتبة آل سعود- عين الذياب -البيضاء
الدار البيضاء، في أيام:01
-
02
مايو 2009.
-9-
سماء ممتدة، في استرخاء،
شمس تخوض حربا شعواء،
تفقأ عيون سحاب،
وتفر هازئة في استعلاء..
جحافل سحاب تمر زاحفة،
منكسرة جرداء،
من الدموع،
من الدروع،
من الصفاء،
... ألف سحابة وسحابة،
غير بعيد،
سهل شارد،
وربيع متبتل،
نحلة ونملة وهدهد،
في رقص ولعب وانتشاء،
راع -منهك اليدين- يداعب بقايا ناي،
ومعه معز ونعاج ينتظرون الرحيل،
ومن بعيد، عمود دخان مجنون،
يهرول يمنة ويسرة،
يتحدى الأفق في كبرياء،
-
صفق وتهور وجنون-
ظل عجوز يعلو صومعة،
ينادي الشفق ويتحسس الأنواء،
ضحك فاضح،
يغزو الفضاء،
ويغتصب هدوء الربوة،
نسوة وشاعر وصبي،
يتراشقون أحديثا شيطانية،
في خلوة مترعة.
البيضاء في:04 مايو 2009
-10-
إني أنشد في صلاتي،
للذين ينقشون جداريات،
وهم يبتسمون خلف القضبان،
للذين يقبّلون كسرة الخبز،
ويضعونها في بقعة طاهرة،
لأنهم يتذكرون، بؤس وجه المجاعة،
للذين يذرفون الدموع في الأعراس،
وهم يطاردون مر الذكريات،
للذين ينتظرون الغروب بأناة،
وهم ثمالى بالأتربة،
بالكدح المالح،
للذين لا يزالون يصفقون للسيدة:"معصوبة
العينين"،
وهم مشدوهون
بما نطقت به،
غير مصدقين،
أقول لهولاء جميعا،
إني معكم أقف في خشوع،
في كل صلاة ودعاء.
البيضاء في:04 مايو 2009
b.yosuf@hotmail.com
بقلم:
نوري سلامه
-بني ملال-المغرب
|
|
|
الرئيسية
للأعلــــى |
| |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|